نص الـبيان الصحفي الذى ألقاه مدير عام المؤسسة العربية لضمان الاستثمار

 فى الكويت يوم  22/ 9 /2004

بشأن إطلاق تقرير الاستثمار الدولي 2004 الصادر عن أنكتاد

 الحضور الكرام،،،

 أود بداية أن أشكر جميع الحاضرين لهذا المؤتمر الصحفي الذي تنظمه المؤسسة العربية لضمان الاستثمار بالنيابة عن الأمانة العامة لمؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) ممثله في شخص السيد كارلوس فورتين نائب الأمين العام. وقد اختير "التحول نحو الاستثمار في قطاع الخدمات" كمحور رئيسي لتقرير الاستثمار الدولي لهذا العام.

 

شهدت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر تراجعا للعام الثالث على التوالي إذ بلغت 560 مليار دولار عام 2003 وهو أدنى مستوى بلغته منذ عام 1998. إلا أن المسوحات التي أجرتها أنكتاد تدل على أن هذه التدفقات يتوقع أن تتجه للارتفاع ثانية مدفوعة بتأثير معدلات النمو المرتفعة وتحسن أداء الشركات وزيادة أرباحها.

 

وقد تباين أداء الدول في المناطق المختلفة، فمن أصل 193 دولة غطاها التقرير شهدت 111 دولة ارتفاعا في تدفقات الاستثمار الأجنبي الوارد إليها بينما تراجعت هذه التدفقات في 82 دولة أخرى.

 

وسجلت الدول المتقدمة أكثر التراجعات في هذه التدفقات إذ بلغت 130 مليار دولار في كل من الاتحاد الأوروبي وأمريكا الشمالية وخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية التي انخفضت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إليها إلى أدنى مستوى منذ ما يزيد على عقد من الزمن. كما شهدت دول وسط وشرق أوربا لأول مرة تراجعا في هذه التدفقات بالرغم من توقع انضمام ثماني دول منها إلى الاتحاد الأوروبي.

 

وبالنسبة للتدفقات إلى الدول النامية فقد سجلت تباينات حادة بين المناطق المختلفة إذ شهدت منطقة آسيا والباسفيك تدفقات بقيمة 107 مليار دولار مما عزز موقعها كوجهة أولي للاستثمار الأجنبي المباشر في الدول النامية. وقد حلت الصين بعد لكسمبورغ كأكثر قطر في العالم استضافة لهذه التدفقات وبلغت حصتها منها 53 مليار دولار. وسجل تراجع في منطقة أمريكا اللاتينية والكاريبي للعام الرابع على التوالي حيث شهدت البرازيل والمكسيك، اللتين استقطبتا الجزء الأكبر من هذه التدفقات أكبر التراجعات، وتجدر الإشارة إلى أن منطقة آسيا استقطبت أكثر من ضعفي التدفقات الواردة إلى أمريكا اللاتينية.

 

ومن جهة أخرى شهدت أفريقيا تحسنا بارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إليها لتبلغ 15 مليار دولار. ويعزى هذا التحسن إلى تنامي الاستثمار في الموارد الطبيعية ومشاريع الخصخصة الضخمة. وتركزت هذه التدفقات في الدول الأفريقية الغنية بالموارد الطبيعية واتجه جزء منها إلى عدد من الدول الصغيرة في القارة الأفريقية.

 

وأخيرا فإن مجموعة الدول الأقل نموا (50 دولة) مازالت لا تحظى إلا بنسب ضئيلة من هذه التدفقات.

 

ورغم تراجع تدفقات الاستثمار عالميا إلا أن الإنتاج الدولي استمر في التوسع. وتتولى هذا الإنتاج حاليا نحو 61 ألف شركة متعدية الجنسية من خلال شبكة تضم 900 ألف شركة شقيقة وفرعية. وتعود الحصة الكبرى من إجمالي الإنتاج العالمي لأكبر 100 شركة في العالم على رأسها جنرال الكتريك وفودا فون وفورد إضافة إلى 4 شركات أخرى من الدول النامية.

 

وبالرغم من أن الشركات متعدية الجنسية من الدول المتقدمة تهيمن على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر إلا أن شركات متعدية الجنسية من الدول النامية تقوم بالتوسع خارجيا بشكل متزايد. وقد ارتفعت حصة الأخيرة من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر الصادر إلى 10% مقارنة مع 1% منذ عقدين من الزمن، كما أن أكبر 50 شركة من الدول النامية هي من دول آسيوية، وقد بلغت التدفقات الصادرة منها نحو 40 مليار دولار خلال الأعوام 2000 إلى 2003 وهو ما يعادل حجم التدفقات العالمية في منتصف الثمانينات. ويتجه جزء كبير من تدفقات الدول النامية إلى دول نامية أخرى وهي تنمو بمعدلات أسرع من التدفقات المتبادلة بين الدول المتقدمة والدول النامية.

 

وتتوقع أنكتاد أن تتحسن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عام 2004 وفق ما استدل من البيانات المتوافرة للنصف الأول من عام 2004 التي أشارت إلى ارتفاع معدلات النمو في عدد من الاقتصادات الرئيسية في العالم وكذلك عودة النشاط إلى عمليات الاندماج والتملك. كما أن حصة العوائد المعاد استثمارها، وهي احد مكونات الاستثمار الأجنبي المباشر، قد عادت إلى النمو عام 2003 مسجلة مستويات غير مسبوقة. وتشير نتائج المسوحات التي أجرتها أنكتاد خلال العام إلى مزيد من التحسن في التدفقات المتجهة إلى آسيا ووسط وشرق أوروبا.

 

تشير الاتجاهات الاستثمارية إلى تزايد النشاط الاقتصادي في قطاع الخدمات، وقد انعكس ذلك على تحول تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو هذا القطاع. وفي بداية السبعينات شكل الاستثمار في قطاع الخدمات نحو 25% من إجمالي رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر بينما ارتفع الآن إلى 60% ومازال المجال متسعا لزيادة هذه الحصة. كما تتركز نحو 70% من تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر حاليا في قطاع الخدمات. وبينما سيطر التبادل التجاري والخدمات المالية على نحو نصف رصيد الاستثمار الأجنبي المباشر الوارد فإن هناك تحولا متزايدا الآن إلى قطاعات خدمية أخرى مثل الكهرباء والاتصالات وخدمات أنشطة الأعمال.

 

ومن المتوقع أن يستمر هذا التحول نحو الاستثمار في قطاع الخدمات لعدة أسباب أهمها:-

أولاً: أن العديد من الدول اتجهت إلى تحسين صناعات الخدمات لتحقيق مزيد من التنافسية خاصة أن الكثير من الخدمات تشكل مدخلات لمنتوجات تتنافس في الأسواق المحلية والدولية. وأصبح وجود بنية تحتية حديثة وبأسعار معقولة وخدمات مالية وفنية وأخرى مختلفة العمود الفقري لاقتصاد تنافسي. ومع تزايد حصة الخدمات في مختلف الأنشطة فإن الحاجة تتزايد لتوفير هذه الخدمات في القطاعات الرئيسة بشكل أكثر كفاءة.

 

ثانياً: أن الاحتياجات التمويلية للاستثمار في خدمات البنية التحتية في الدول النامية ودول الاقتصادات المتحولة في وسط وشرق أوروبا هائلة. ونظرا للضغوط على الموازنة التي تعاني منها معظم الحكومات والحاجة لإدخال المعرفة والتكنولوجيا والمهارات فإن الاستثمار الأجنبي المباشر يتوقع أن يحافظ على مكانته كمصدر استراتيجي للتمويل.

 

ثالثا: أن تكنولوجيات المعلومات والاتصالات الجديدة تساهم إلى حد كبير في تجزئة وعولمة العديد من الخدمات المرتبطة والمتكاملة فيما يعرف بثورة "التبادلية التجارية" وهذه ترغم عدداً متزايدا من الشركات في الدول المتقدمة والدول النامية على استنباط طرق جديدة لتطوير أنظمة الإنتاج والسعي للإفادة من خدمات الإنتاج في الخارج (الاوفشور). وحقيقة الأمر فإن خلق وحدات إنتاج خارجية مثل الحد الفاصل في التحول العالمي في أنشطة الإنتاج مما ساهم بدوره في إحداث تقسيم جديد للعمل.

 

رغم أن هذه العملية مازالت في مهدها إلا أنه يتوقع لها أن تتسارع مع تزايد وضوح الفوائد المجنية منها وانضمام العديد من الشركات والدول إلى مقدمة ركبها. إن ظاهرة الاوفشور ليست بقضية خاصة بالشمال والجنوب لأن معظم نشاط الاوفشور يتم بين الدول المتقدمة إلا أنه بالنسبة لكثير من الدول النامية فإن إمكانية تدويل إنتاج الخدمات سيفتح لها أبواباً جديدة من فرص التصدير، لكن الفوائد الاقتصادية الناتجة عن التخصص المستند إلى الميزة النسبية ستعم على جميع الأطراف المشاركة، فالدول المصدرة ستكسب فرص عمل جديدة وإيرادات بالعملة الصعبة إضافة إلى تنامي المهارات، أما الدول المستوردة فإنها ستصبح أكثر تنافسية وسيكون بوسعها أن توفر خدمات أفضل بأسعار تنافسية وسترتقي سلم المهارات والتكنولوجيا.

 

ونادرا ما تكون عملية إعادة الهيكلة الدولية سهلة. فبالرغم من أن نطاقها لا يزال ضعيفا إلا أن لها تأثيرات ومضاعفات قد تسبب بعض القلق لدى عدد من الدول خاصة لجهة تأثيرها على وضع العمالة في الدول المتقدمة بدرجات متفاوتة بسبب انتقال عدد من الأنشطة إلى الدول النامية.

 

لذلك تبرز الحاجة إلى سياسات هادفة تسمح باستمرار عملية الاوفشور مع العمل في الوقت ذاته على تذليل العقبات والصعوبات الناجمة عنها. إن الدول المتقدمة والنامية على حد سواء ستستفيد من الاوفشور الذي يدعم ميزتها النسبية. ورغم توجه بعض الدول المتقدمة إلى اتخاذ الإجراءات التي من شأنها الحد من هذه العمليات إلا أن ذلك لا يعتبر خطوة ايجابية لكونه يعزز موقف مناهضي العولمة الذين سيجادلون بأن الدول الغنية فقط هي التي تدعم العولمة وتجني ثمار فوائدها.

 إن التحدي الذي يواجهنا اليوم هو خلق بيئة موائمة يكون الجميع فيها رابحا من الاستثمار الأجنبي المباشر في قطاع الخدمات.

 إن التحول نحو الاستثمار في الخدمات يوفر فرصا تنموية ضخمة لكنه بالمقابل قد يخلق بعض المخاطر، فهو يساهم في دعم جهود التنمية من خلال توفير رأس المال والتكنولوجيا الحديثة والمهارات والنفاذ إلى الأسواق وفرص العمل ويعزز التنافسية إن توفرت الظروف الصحيحة.

 وبالتالي فإنه لضمان تحقيق هذه المنافع وتجنب المخاطر لابد من سياسات قطرية ودولية مناسبة، وبإمكان حكومات الدول المصدرة والمضيفة لهذه التدفقات أن تقوم بالمزيد لدعم تنافسية قطاع الخدمات من خلال مناخ ملائم لنشاط القطاع الخاص المحلي والأجنبي إضافة إلى توفير البنية التحتية اللازمة والمهارات والمؤسسات.

 

إن الحاجة لتنظيم بعض الخدمات معقدة لكن لاغنى عنها لتحقيق الفوائد من الاستثمار الوارد إلى هذا القطاع. ومن الضروري أن تتبادل الدول المعرفة والخبرة بينها حول النماذج التي تطبقها دول مختلفة. كما أنه بإمكان المانحين والمجتمع الدولي مساعدة الدول النامية في رسم وتنفيذ الإجراءات الأكثر ملاءمة للاحتياجات المحلية. وفي الوقت ذاته يتعين على الدول النامية توفير المعلومات الخاصة حول فرص الاستثمار المتوافرة في قطاع الخدمات وتذليل الصعوبات التي تواجهها.

  

اشكر لكم حضوركم وحسن استماعكم

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته